فخر الدين الرازي
212
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان رسول اللّه والمفتقر إلى البيان مجمل ، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله مجمل ، فلهذا المعنى قال بعضهم متى وقع التعارض بين القرآن وبين الخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والدليل عليه هذه الآية ، والخبر مبين له بدلالة هذه الآية ، والمبين مقدم على المجمل . والجواب : أن القرآن منه محكم ، ومنه متشابه ، والمحكم يجب كونه مبينا فثبت أن القرآن ليس كله مجملا بل فيه ما يكون مجملا فقوله : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ محمول على المجملات . المسألة الثانية : ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلّى اللّه عليه وسلم هو المبين لكل ما أنزله اللّه تعالى على المكلفين ، فعند هذا قال نفاة القياس لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزله اللّه تعالى على المكلفين من الأحكام ، لاحتمال أن يبين المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس ، ولما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف والأحكام ، هو الرسول صلّى اللّه عليه وسلم علمنا أن القياس ليس بحجة . وأجيب عنه بأنه صلّى اللّه عليه وسلم لما بين أن القياس حجة ، فمن رجع في تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس ، كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى بيان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . ثم قال تعالى : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ [ إلى آخر الآية ] المكر في اللغة عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء ، ولا بد هاهنا من إضمار ، والتقدير : المكرات السيئات ، والمراد أهل مكة ومن حول المدينة . قال الكلبي : المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير اللّه تعالى ، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه على سبيل الخفية ، ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أمورا أربعة : الأول : أن يخسف اللّه بهم الأرض كما خسف بقارون . الثاني : أن يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ، والمراد أن يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفجؤهم فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط . والثالث : أن يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين ، وفي تفسير هذا التقلب وجوه : الأول : أنه يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم ، فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر وهم لا يعجزون اللّه بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم اللّه حيث كانوا ، وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ [ آل عمران : 196 ] . وثانيهما : تفسير هذا اللفظ بأنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم . وثالثها : أن يكون المعنى أو يأخذهم في حال ما ينقلبون في قضايا أفكارهم فيحول اللّه بينهم وبين إتمام تلك الحيل قسرا كما قال : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [ يس : 66 ] وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله : وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ [ التوبة : 48 ] فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها . والنوع الرابع : من الأشياء التي ذكرها اللّه تعالى في هذه الآية على سبيل التهديد قوله تعالى : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ وفي تفسير التخوف قولان : القول الأول : التخوف تفعل من الخوف ، يقال خفت الشيء وتخوفته والمعنى أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولا بل يخيفهم أولا ثم يعذبهم بعده ، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك فرقة فتخاف التي تليها فيكون